البداية
الجزء الأوّل
الجزء الثاني
الجزء الثالث
اتصل بنا
مرحبًا بكم في شمس المغرب ( يرجى الدخول أو التسجيل)

0.3.1 - التشبيه بالشمس

إن حياة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه وسيرته تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ رحلة الشمس في السماء، حيث تطلع كلّ يوم من جهة الشرق ثم تتسلق مرتفعة نحو بطن السماء، ثم تهبط حتى تغيب وراء الجبال والتلال البعيدة لتختفيَ عن أعيُننا من أجل أن تفاجئَنا من جديد في صبيحة اليوم التالي.

غير أنّ ابن العربي سلك طريقاً مختلفاً وغير عاديّ، حيث طلعت شمسه من المغرب، في بلاد الأندلس، ثم ارتحل، بعكس جهة الشمس، إلى المشرق حتى استقرّ الأمر به في الشام، وغابت شمسه هناك، في جبل قاسيون، المعروف باسم جبل الصالحين.

ولقد تجلى ذلك في حياته وسلوكه، فكان أيضاً مختلفاً ومتميّزاً عن جميع أقرانه من علماء الفقه والحديث والتفسير والكلام والفلاسفة؛ حيث يمكن أن نقول غير مبالغين أنه جمع بين جميع هذه العلوم المتفرّقة ففاق بها أهلها المتخصصين بها.

يقول ابن العربي في ديوانه [الديوان الكبير: 163]:

إذا شمسُ النفوس أرت ضُحاها
***
تزايدت القلوب بما تلاها
تراها فيه حالاً بعد حالٍ
***
ومجلاها الهلالُ إذا تلاها
وإنّي من حقيقتِه بسِـرّي
***
كمثلِ الشمس إذ تعطي سناها
فما أنا في الوجود سواهُ عيناً
***
وما هم في الوجود بنا سواها
فتلك سماؤنا لمّا بناها
***
وهذي أرضنا لمّا طحاها
مِن أَجلي كان ربّي في شؤون
***
وقد بلغت فواكهُهم أناها
سنفرغ منكمُ جوداً إليكمْ
***
لتعطي نفوسكم منها مُناها
ويلحمها بذات منه لمّا
***
علمت بأنها كانت سداها
يعذّبنا النهار سدىً وويلا
***
وليلته يعذّبنا نداها
فغطّاها الظلامُ بسِـرّ كوني
***
وجلاّها النهار وما جلاها

فمن يدرس كتبه ويطّلع على مكنوناتها يجد عنده إلى كلّ علم باب وعلى كل سؤال جواب. فنحن لا نبالغ أبداً وكذلك ابن العربي لا يفاخر حين يشبّه نفسه بالشمس؛ فهو حقّاً عالِمٌ جليلٌ، رغم أنّ الذين استطاعوا الغوص في بحار العلوم المبثوثة في كتبه لا يزالون قليل.

وهذا التشبيه أو الشبه بين ابن العربي والشمس ليس تشابهاً في الشكل والحركة، ولكنه تشابهٌ عميقٌ في المغزى والحقيقة، وهو ينسحب على الكثير من التفاصيل كما سنرى لاحقاً. في الحقيقة لقد بدأت رحلة ابن العربي، مثل الشمس، من المشرق، من الجزيرة، من منبع الإسلام، ومنبع الحضارات؛ غير أنه بدأ في الباطن - في عالم الذرّ - في ظهور أجداده من قبيلة طيءٍ التي اشتهرت، كالشمس، بالجود والسخاء والكرم. فانتقل الشيخ الأكبر محمد ابن العربي في ذراري آبائه من اليمن في جزيرة العرب إلى المغرب، إلى الأندلس، وكأنه كان على موعد هناك لكي يولد في جنة الله على الأرض؛ حتى تُرضعه الطبيعة أصفى لبنٍ وتوفد إليه أعذبَ نسيمٍ، وتهبه نفائس العلوم ودُرر المعارف، ليسري بها من جديد إلى مطلع الشمس في المشرق حتى تفيض مزيداً من النور وتهب مزيداً من العطاء.

فعلى عكس مسيرة الشمس، أشرقت شمس محي الدين من الغرب، ثم ارتحل مقتفيا الطريق نفسه الذي أتى منه حين كان ما يزال في عالم الذرّ، وكأنه يريد أن يكشف لنا في تلك الدورة المعكوسة سرّ المعرفة؛ ذلك السرّ الذي يمثّل أساس العلاقة بين الحق والخلق، بين الوجود والعدم، بين الروح والجسم، بين النهار والليل، وبين النور والظلمة؛ فالله هو الّذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [5]﴾ [الزمر]، حيث يتبادل الباطن والظاهر الأدوار، فالكل يدور في أدوار، كما قال الله تعالى في سورة يس ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [40]﴾، فيَظهر الباطن ثم يعود الظاهر إلى الباطن، ويسافر الأول إلى الآخر ويعود الآخر إلى الأول، و﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [3]﴾ [الحديد] فـ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [4]﴾ [يونس]، أي هو نفسه سبحانه وتعالى يبدأ الخلق ثم يعيده، ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [34]﴾ [يونس]، وهذا، أي بدء الخلق وإعادته وحركته الدورية،footnote(في الحقيقة فإنّ هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم لا تتحدّث فقط عن إعادة الخلق يوم القيامة كما يُفهم من ظاهرها لأوّل وهلة، بل الله سبحانه وتعالى يبدؤ الخلق ثم يعيده في كلّ آنٍ من الزمن حيث يخلق السموات والأرض في ستة أيام أي في ست جهات وهي جهات الفضاء ذي الأبعاد الثلاثة، فنحن نرى الخلق مستمرّا في الزمان وكأنّ الوجود يتجدّد عليه وهو ليس كذلك بل هو دائماً في خلق جديد وليس متجدد لأنه لا تكرار في الوجود ونحن في لبس من هذا كما قال الله تعالى في سورة ق ((بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [15])) وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال في سورة الكهف ((مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [51]))، فلو شهدنا ذلك لرأينا كيف يخلق الله السموات والأرض ويخلقنا في ستة أيام ثم يستوي على العرش.

وهذه العلوم القرآنية التي نطالعها في كتب الشيخ محي الدين تعتبر بحق أساسا لرؤية كونية بديعة لم يتعرّض لها العلماء والفلاسفة قبل ابن العربي ولا بعده، وقد ناقشناها باستفاضة في الأطروحة التي نقوم الآن بإعادة صياغتها باللغة العربية وستنشر قريبا إن شاء الله تعالى. هو أصل سرّ العلم الذي اختُصَّ به الشيخ الأكبر والذي أطلعنا على بعضه في كتبه وسكت عن أكثره إلا عن طريق الإشارة لفتح البريد أمام المريد، وقال الشيخ في الديوان الكبير [ص 63]:

خُصصتُ بعلم لم يُخصَّ بمثله
***
سواي من الرحمن ذي العرش والكرسي
وأُشهدتُ من علم الغيوبِ عجائباً
***
تُصان عن التَّذكارِ في عالم الحسِّ
فيا عجباً أني أروح وأغتدي
***
غريباً وحيداً في الوجود بلا جنسِ
لقد أنكر الأقوام قولي وشنّعوا
***
عليّ بعلمٍ لا ألوم به نفسـي
فلا هُم مع الأحياء في نور ما أرى
***
ولا هُم مع الأموات في ظلمة الرمسِ
فسبحان من أحيى الفؤاد بنوره
***
وأفقدهم نورَ الهداية بالطمسِ
علومٌ لنا في عالم الكون قد سرت
***
من المغرب الأقصى إلى مطلع الشمسِ
تحلّى بها من كان عقلا مجرّداً
***
عن الفكرِ والتخمينِ والوهمِ والحدسِ
وأصبحتُ في بيضاء مثلي نقيّة
***
إماماً، وإنَّ الناس منها لفي لبسِ

فكانت رحلة ابن العربي بهذا الشكل الدوري المخالف لدورة الشمس، والمتميّز عن بقية الخلق، حتى يبيّن لنا هذه المعارف من الأسرار والآيات التي خفيت علينا مع أننا نعيش معها وفيها في كل يوم وفي كل حين.

وإذا لم يكن لابن العربي أي دور في اختيار مكان ولادته، فلا شكّ أنه اختار دمشق من بين بقية المدن، أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، والشام من بين بقية البلدان، مهبط عيسى عليه السلام قبل يوم القيام، حتى يستقرّ فيها ويغيب كما تغيب الشمس في كل يوم. فاختار الشيخ الشام بالتحديد لأنها ”خِيرة (أو صَفوة) الله من أرضه وإليها يَجتبي خيرتَه من عباده (فإنّ الله قد تكفّل لي بالشام وأهله)” [كنز العمال: 35020، وأحاديث أخرى كثيرة في هذا السياق: 35012-35025، وكذلك ذكره الشيخ محي الدين في الوصايا وفي الفتوحات المكية وسنتكلم عن ذلك بالتفصيل في الفصل السادس إن شاء الله تعالى.]. ولكن كما أنّ الشمس لا تلبث أن تطلع من بعد أن تغيب، وتسبح في فلكها في السماء، ليلا ونهارا، فكذلك محي الدين، صاحب الوقت وقطب الزمان [في الحقيقة ليس ابن العربي قطباً ولكنّه من الأولياء الأفراد الخارجين عن دائرة القطب كما سنشرح معنى ذلك لاحقا. ولكن نقول هنا أنّ القطب هو بالأصل أحد الأفراد ومن مرتبتهم]، وخاتم دورة الولاية المحمدية، لا تزال شمسه ساطعة في الشرق وفي الغرب، وفي الجنوب وفي الشمال؛ فذكرُه وآثارُه عمّت الآفاق، وعلومه ومعارفه فاضت منها العقول، وأسراره لا تزال تتقلب فيها القلوب وتستريح فيها الأرواح. فكما أنه كان باطناً منذ القِدَم في علم الله أولا ثم في ظهور أجداده واحداً بعد الآخر، فلا يزال حيّاً في قلوب تلاميذه ومريديه، محبيه وعاشقيه، إن شاء الله إلى الأبد.

ولا أدري إن كنت بهذا الكتاب أول من يصف الشيخ الأكبر رضي الله عنه باسم ”شمس المغرب”، والذي أعتقده أنّ هذا الاسم ينطبق عليه ويليق به اعتماداً على المؤشرات التي ذكرناها في هذه المقدمة، ولأنه كان حقّاً شخصيةً فريدةً تفوق الوصف وتكاد تكون فوق الخيال كطائر العنقاء، وهو طير كانت العرب تزعم وجوده في غرائب أساطيرها فغدت حكايته مضرب مثل لكل من أتى بما لا يعرفه الناس، كما هو نفسه قد استخدم هذا الاسم لأحد كتبه البديعة (عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب) والذي سنأتي على ذكره داخل الكتاب إن شاء الله تعالى. وكما بيّن الباحث دنيس غريل في كتاب ”ختم الأولياء” وكما ذكر الشيخ الأكبر نفسه أنه هو على الحقيقة ختم الولاية المحمدية، فهو المقصود إذاً بشمس المغرب، رغم أنّ هذا الاسم يشير أيضاً إلى المهدي عليه السلام كما سنرى في الفصل الرابع عند الحديث عن كتاب عنقاء مغرب.

ولقد ترددت قليلاً في اختيار اسم هذا الكتاب بين ”شمس المغرب” و”رحلة العنقاء” مع أنّ الاسمين ربما يكونان متكافآن، ثم اخترت الاسم الأول حتى أؤكد أنّ هذه الشخصيات الفريدة التي يبدو لنا أنها لا تتكرر في تاريخ البشرية إنما هي على الحقيقة موجودة دائماً ولا يخلو منها الزمان ولكنها لا تكون دائماً ظاهرةً وواضحةً للعيان، وكثيراً ما تُنسى ولا تُعار أي اهتمام لأنها كالشمس تعطي نورها ودفئها للجميع ولا يشعر بوجودها المستمر إلا من يطلبها ويبحث عنها ويتابع سيرتها، فتارة تحتجب بالأرض وتارة يخسفها القمر وتارة تكون وراء الجبال أو خلف الغيوم، ولكنها كثيراً ما تتجلى في عرض السماء من غير أن يهتم بها أحد لأنها أصبحت معتادة.

فكذلك هو حال طائر العنقاء، الذي هو اسم آخر للقطب، وكذلك رجال الله من الأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء وغيرهم من الأولياء، لا يعرفهم إلاّ القليل من الناس الذين ربما لا يعرفون عنهم إلا ما تتناقله الأجيال من أخبارههم، وهم على الحقيقة يعيشون بيننا وربما يستطيع أن يجدهم من يبذل جهده ويفني عمره في البحث عنهم ومعرفة أخبارهم. فلا يخلو الزمان أبداً من أمثال ابن العربي وممن هم أيضاً أعلى منه معرفة ومرتبة ولكنّ الفرق بينه وبينهم أنّه سطّر رضي الله عنه لنا بعض علومه رغم أنّه كان يطلب من الله تعالى أن لا يُظهره بين الناس ويبقيه مجهولا مثل صاحبه ابن جعدون الحناوي الذي كان ذا مرتبة رفيعة ولكنه كان بين الناس مجهولاً إذا حضر لا يوسَع له وإذا تكلّم لا يُؤبه به، كما سنذكره داخل الكتاب، ويقول الشيخ محي الدين أيضاً أنه قارن نفسه مرّة مع واحد من رجال الله كان عمره عشرة سنين، فما وجد نفسه معه إلاّ كدرهم زائف [روح القدس: 117]. فالمقصود بالرجال هنا هم الذين تمكنو في طريق الله تعالى، لأن الرجولة هي الثبات والتمكين.





لا يمكنك التعليق على هذه الصفحة!

( يرجى الدخول أو التسجيل)


التعليقات


Ebooks on Amazon:
موقع الفتوحات المكية:

موقع شمس المغرب:

موقع الجوهر الفرد:

حول المؤلف:


الكتب لا تزال مسودة!

البحث في الموقع
الدخول

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!
تمت مشاهدة هذه الصفحة 1336 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 24791134 مرة منذ 1/1/2020.


جميع حقوق النشر محفوظة © 1999-2020.

سياسة الخصوصية

الحدود والشروط

تم تصميم هذا الموقع وبرمجته من قبل محمد حاج يوسف